مصطفى صادق الرافعي
26
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الحادثات ، ليكون تحولهم أشبه بالسنة الطبيعية كما ينمو الحي من باطنه . وسيقع تفصيل هذا المعنى فيما يأتي : وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم ، أو بأمر من النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيخطونه على ما اتفق لهم يومئذ من العسب والكرانيف واللخّاف « 1 » والرّقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع من الشاة والإبل ، وكل ما أصابوا من مثلها مما يصلح لغرضهم ، يكتب كل منهم ما تيسر له أو يسرته أحواله . ولكن مما ليس فيه ريب أن منهم قوما جمعوا القرآن كله لذلك العهد ، وقد اختلفوا في تعيينهم ، بيد أنهم أجمعوا على نفر ، منهم : علي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن مسعود ، وهؤلاء كانوا مادة هذا الأمر من بعد ، فإن المصاحف حتى اختصت بالثقة كانت ثلاثة : مصحف ابن مسعود ، ومصحف أبيّ ، ومصحف زيد ، وكلهم قرأ القرآن وعرضه على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأما ابن مسعود فقرأ بمكة وعرض هناك ، وأما أبيّ فإنه قرأ بعد الهجرة وعرض في ذلك الوقت ، وأما زيد فقرأه بعدهما وكان عرضه متأخرا عن الجميع ، وهو آخر العرض إذا كان في سنة وفاته صلّى اللّه عليه وسلم وبقراءته كان يقرأ عليه الصلاة والسلام وكان يصلي إلى أن لحق بربه ، ولذلك اختار المسلمون ما كان آخر كما ستعرفه . أما علي بن أبي طالب فقد ذكروا أن له مصحفا جمعه لما رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وفي الفهرست لابن النديم أنه رأى عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفا بخط عليّ يتوارثه بنو حسن ، ونحن نحسب ذلك خبرا شيعيا ، لأنه غير شائع . وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن في الصدور ، وفيما كتبوه عليه ، ثم نهض أبو بكر بأمر الإسلام ، وكانت في مدّته حروب أهل الردّة ، ومنها غزوة أهل اليمامة ، والمحاربون أكثرهم من الصحابة ومن القراء ، فقتل في هذه الغزوة وحدها سبعون قارئا من الصحابة ( ويقال سبعمائة ) ، وكان قد قتل منهم مثل هذا العدد ببئر معونة « 2 » في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم فهال ذلك عمر بن الخطاب ، فدخل على أبي بكر رحمهما اللّه فقال : إن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار ، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا ، وهم حملة القرآن ، فيضيع القرآن وينسى ولو جمعته وكتبته ! فنفر منها أبو بكر ، وقال : أفعل ما لم يفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فتراجعا في ذلك ، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت . قال زيد : فدخلت عليه وعمر مسربل ؛ فقال
--> ( 1 ) العسب : جمع عسب ؛ وهو جريد النخل : كانوا يكشطون الخوص عنه ويكتبون في الطرف العريض . والكرانيف : جمع كرنافة ( بالكسر والضم ) وهي أصول السعف الغلاظ ؛ واللخاف : جمع لخفة ( بفتح فسكون ) وهي صفائح الحجارة . ( 2 ) موضع قرب المدينة يقال إنه لهذيل ، وقيل لسليم .